القاضي عبد الجبار الهمذاني

371

شرح الأصول الخمسة

وصفها بأنها مخلوقة ومختلقة ، كما يصح وصفها بأنها مصنوعة ومنحولة مع أنه لا يتصور فيه الكذب والصدق ، لأن الكذب والصدق لا يدخلان في الأوامر والنواهي وإنما يثبتان في الأخبار وأما قوله تعالى : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ( 137 ) [ الشعراء : 137 ] فليس المراد به الكذب على ما قالوه ، وإنما هو قول منكري البعث والنشور ، الذين قالوا : هل نحن إلا كالأولين ممن مضى . وأما قوله تعالى : إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ ص : 7 ] فإنه وإن أراد به الكذب مجازا ، فليس يجب أن لا يكون حقيقته ما قد بيناه ، وأن لا يوصف به القرآن على المعنى الذي يصح ويسلم . فإن قيل : ما أنكرتم أن الخلق إنما هو إيقاع الفعل على وجه الاختراع على ما يقوله شيوخكم البغداديون ويحكى عن عباد بن سليمان الصيمري ؟ قلنا : لما قد تقدم من أنهم كانوا يصفون الفعل المقدر بالغرض والداعي مقدرا مخلوقا ، ولهذا كان الحجاج يتمدح : بأني إذا وعدت وفيت ، وإذا خلفت فريت . وأيضا ، فلو كان كما ذكروه لم يصح وصف غير القديم تعالى بذلك ، وكان لا يصح قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] وقد أنكر عباد حين سمع هذه الآية أن يكون المراد به الجمع ، وقال : إن الياء والنون زائدتان ، وذلك جهل منه باللغة وبمواضع الكلام . الكلام في الخلق والمخلوق ولولوع الناس بالكلام في الخلق والمخلوق ، تكلم فيه شيوخنا أيضا . فذهب شيخنا أبو علي إلى أن الخلق إنما هو التقدير ، والمخلوق هو الفعل المقدر بالغرض والداعي المطابق له على وجه لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ، على ما اخترناه ، وهو الصحيح من المذهب . وأما شيخنا أبو هاشم ، وأبو عبد اللّه البصري ، فقد ذهبا إلى أن المخلوق مخلوق يخلق ، ثم اختلفا : فذهب أبو هاشم إلى أن الخلق إنما هو الإرادة . وقال أبو عبد اللّه البصري : بل هو الفكر ، وقال : لولا ورود السمع والأذن بإطلاق هذه اللفظة على اللّه تعالى ، وإلا ما كنا نجوز إطلاقها عليه تعالى عقلا .